قصة قصيرة .....
تم نشرها بمجلة أسرتنا بعنوان :
.الكرسي وخلفيات الصورة ...!!!
تسمرت قدماها أمام المكتب الذي احتل مساحة واسعة من الغرفة ,والملف بيدها المرتعشة ونظراتها تلتهم حروف الاسم المنحوت بدقة على لوحة صغيرة بزاوية المكتب تعرف هذا الاسم جيداً وتعرف صاحبته ,ثم رفعت رأسها لتستقر عيناها على تلك المرأة التي تجلس بوقار خلف المكتب وقد انهمكت بعملها وبتقليب الأوراق بين يديها ,فحمدت الله أنها لم ترفع رأسها وتلاحظ وجودها كي تبتلع ريقها وتسترد أنفاسها اللاهثة وتتمكن من مغادرة المكان بهدوء,تراجعت للخلف وهي تسترجع ذكرياتها المؤلمة معها ..وتردد بنفسها : ترى هل مازالت تلك الذكريات عالقة بذاكرتها ؟؟ ماذا ستفعل لو عرفتني ؟؟هل سترمي ملف ابنتي بوجهي وتدفعني بقوة لتحطم لوحة الذكريات المؤلمة خلفي وتستعيد كرامتها الجريحة وترد لي الصفعة بصفعات فتحرم ابنتي من إكمال دراستها ؟؟ تغيرت كثيراً.. تلك النظارة..وتلك الملابس الراقية التي تلبسها..أين ضفائرها الطويلة التي كانت تحرك غيرتي وسخريتي منها أمام الجميع ..أين شعرها المتطاير حول وجهها ..والبشرة التي تميل للسمرة من كثرة الوقوف بالشمس ..والقدمان الحافيتان الملطخة بالطين والغبار ..؟ لم تستطع أن تمنع سيل ذكرياتها الذي انحدر فجأة ليطمس كل صورة حية بداخلها تحاول إعاقة مروره فتسأل نفسها وبنفس الوقت تجيب:
هل ما زالت تحمل بنفسها الكره تجاهي ..عندما كنت قبل سنوات افرض سيطرتي وهيمنتي على الحارة في قريتنا الصغيرة فقد نصبت نفسي فتوة الحي والآمر الناهي فمن أغضب منها لا يكون لها نصيب بشيء من اللعب واللهو بل لن تفلت من الحجارة عند مرورها أمام تجمع الفتيات قبيل الغروب.عندما تترنح الشمس وتنسحب للغروب وتبدأ نسمات المساء تداعب برقة وجنات الطفولة فيحلو اللعب والمرح ..كل ذنبها أنها أجمل مني وأكثر قبولاً عند المعلمات وفي بيتها تنعم بالدلال مما جعلني أكيل لها العداء وأشحن الجميع كرهاً عليها بعد أن انقل عنها كلاماً لم تقله ..ولم يمنعني من إيذائها منعي من الخروج إلى الشارع بعد أن صدر الأمر بلبسي العباءة ودخولي لمرحلة جديدة عندما صرت صبية فاختلست النظرمن ثقب الباب لأراقب رحيلها مع أسرتها بعد أن وجد والدها عملاً بالمدينة ..وعندما لم أتمكن من المشاهدة جيداً أطلقت ساقي للريح عبر درجات السلم المتحطمة وأنا أطير بجسدي النحيل للسطح غير عابئة بالسقوط..فيتدلى رأسي من فتحة بالحائط ثم أراقبها وهي تغادر المكان بانكسار وبعد لحظات تتحرك السيارة وتختفي وأنا لا أقاوم نشوة الفرح والانتصار وأقف بشموخ ..لم أودعها أو أطلب السماح منها . تتنهد بصعوبة...لا تدري كيف امتلأ فلبها الصغير بكل ذلك الحقد ..تراجعت مرة أخرى تمهيداً للخروج رفعت بطلة ذكرياتها رأسها وابتسامة عذبة تزين محياها . فرددت بصمت : .ياااه لا زالت سارة تمتلك نفس الابتسامة والسحر الذي يثيرني ويحرك غيرتي ..والهدوء الذي يميزها ...تناولت الملف وهي تعتذر بكلمات لم تستوعبها لأن كل ما بداخلها يغلي خوفاً ورعباً فقد تتعرف على اسم والد ابنتها فهو ذو تاريخ لا يقل سواداً معها لكونه أحد صبية الحي المعروفين والمشهود لهم بالعديد من معارك الحواري أو تعرف الملامح..وعندها قد يحدث ما لا يحمد عقباه ..
.. اعتدلت بجلستها وهي ترفع النظارة عن عينيها بعد قراءة سريعة للملف ..فرمت بجسدها الذي لم تعد قدماها المرتعشة قادرة على حمله فوق الكرسي ..وهي تلتقط أنفاسها الثائرة .. لا شك أن المحاكمة قد ابتدأت وعليها الاستعداد ..بادرت سارة بالحديث بثقة ..ابنتك ممتازة أنا متأكدة من قبولها إن شاء الله ..لا تحملي هماً سيشرفنا وجودها بيننا ..تصبب العرق من جبينها فحملت نفسها استعداداً للخروج وهي تقاوم الإغماء ..بلا كلمة شكر أو تعليق استوقفتها ..مهلاً لا تخرجي ..استدارت وهي تضع يدها على صدرها مازالت تتذكر شكلها والدماء تخر من رأسها وسط الحارة بعد إصابتها بحجر من يد أمهر فتيانها بالتصويب الذي قبض ثمن فعلته خبزاً حاراً من المخبز بالمجان وضحكاتها هي وصديقاتها يشق السكون ويؤلم ما تبقى من ضميرها النائم ..تقدمت نحوها وبيدها كأسً من الماء ..اشربي الماء يبدو أنك مرهقة ارتاحي قليلاً..اجلسي على هذا الكرسي ..تمنت بسرها أن تبوح لها بما يؤلمها وتطلب منها السماح ..ولكن يبدو أن الله عوضها وأعطاها على نيتها الصادقة ..فجلست بالمكان الذي استحقته ..يقف الجميع أمامها احتراماً لعقلها..تمنت أن تقبل رأسها على حسن استقبالها لها ولإنسانيتها معها ..وآثرت الصمت وادعاء الخرس كي لا تقف بطريق ابنتها وأحلامها وكيلا تعيد فتح جراح أغلقها الزمن برحمة من الله وحكمة ..وطمس معالمها ولا طائل من وراء نبشها سوى تجدد الألم ..
غادرت المكان متوجهة لمنزلها والصورة وخلفياتها تدور بمخيلتها المتعبة ..تلك الطفلة والصبية ثم المرأة ..كيف لم تكسب ودها يوماً وتستفيد من عقلها وذكائها ..كيف طغى عليها الكره والحقد وأعمتها الغيرة عن رؤية الأشياء بوضوح.؟.
..رددت بنفسها صدى صوت أنين وانكسار لم يترك زاوية بنفسها لم يتربع بركنها .. ..ابنة قريتي وحارتي في مكان مرموق وستكون مسئولة عن ابنتي ولا أجرؤ على محادثتها أو توصيتها ..غادرت المكان وهي تجمع أشلاء ذكرياتها المتناثرة من ذاكرتها وقد اختلطت بالدموع والألم ....
لم تستطع تقديم إجابة شافية للتساؤلات التي خيمت على مخيلة ابنتها وارتسمت على لسانها وهي تنظر إليها بدهشة وخوف..: أمي ما بك ماذا حدث ..؟؟
هل تفتح لها صندوق الذكريات أم تدعي المرض ..أمسكت برأسها وطلبت منها قرصاً مهدئاً وهي تقول : أووه حبيبتي أعانك الله على هذا المشوار المتعب كل يوم ...!!
صرخت الفتاة بفرح: أمي هل تم قبولي ؟ أومأت برأسها: وعدتني المسئولة بذلك لروعة مستواك ودرجاتك العالية.. أحضنتها وهي تبكي فكانت الفرصة المناسبة لها لتبكي كما تشاء بل وبصوت مسموع وبالأخير تقول : إنها دموع الفرح حبيبتي ..!!
بقلم بدرية البليطيح ..